أبي هلال العسكري

52

الصناعتين ، الكتابة والشعر

عوّار « 1 » الجهالات ، بأسهل ما يكون من العبارات . وقريب منه قول الحسن بن علي رضى اللّه عنهما : البلاغة تقريب بعيد الحكمة بأسهل العبارة . ومثله قول محمد بن علي رضى اللّه عنهما : البلاغة تفسير عسير الحكمة بأقرب الألفاظ . وقد مضى فيما تقدّم من كلامنا ما يكون مثالا لهذه الفصول . وأنا أورد هاهنا فصلا ينشرح به أبوابها ، ويتّضح وجوهها . أخبرني أبو أحمد عن أبيه عن عسل بن ذكوان ، قال : قال المأمون لمرتدّ عن الإسلام إلى النصرانية : أي شيء أوحشك من الإسلام فتركته ؛ قال : أوحشنى ما رأيت من كثرة الاختلاف فيكم . فقال المأمون : لنا اختلافان : أحدهما كاختلافنا في الأذان ، وتكبير الجنائز ، والاختلاف في التشهد ، وفي صلاة الأعياد ، وتكبير التشريق ، ووجوه القراءات ، واختلاف وجوه الفتيا ، وما أشبه ذلك . وليس هذا باختلاف ؛ وإنما ذلك توسعة وتخفيفا من المحنة . والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا ، وتأويل الخبر عن نبيّنا عليه الصلاة والسلام ، مع إجماعنا على أصل التنزيل ، واتفاقنا على عين الخبر . فإن كان الذي أوحشك هو هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والإنجيل متّفقا على تأويله ، كما يكون متّفقا على تنزيله ، ولا يكون بين النصارى اختلاف في شيء من التأويلات . ولو شاء اللّه أن ينزّل كتبه ويجعل كلام أنبيائه ، وورثة رسله كلاما لا يحتاج إلى التفسير لفعل ؛ ولكننا لم نر شيئا من الدّين والدنيا دفع إلينا على الكفاية . ولو كان الأمر كذلك لسقطت المحنة والبلوى ، وذهبت المسابقة والمنافسة ، ولم يكن تفاضل ؛ وليس على هذا بنى اللّه الدنيا .

--> ( 1 ) العوار : كل ما أعل العين ، والرمد والقذى .